الأرقام والبيانات والإفادات، الرسميّة وغير الرسميّة، المحليّة والدوليّة تؤكّد ذلك وتشهد له، ناهيك بكثافة المظلوميّة التي تُفصح عنها الحركات المدنيّة النسائيّة، في هذا الباب، في كلّ بلدٍ عربيّ أمكن فيه لمثل هذه الحركات وجمعيّاتها واتحاداتها أن تقوم وتَنْشط.

ولقد قام على قاعدة هذه الحقيقة الموضوعيّة اعتقاد متعاظم الانتشار بأنّ الحيف هذا سِمةٌ خاصّة بالمجتمعات والدول العربيّة (أو الإسلاميّة) حصرًا، وأنّه ينهل أسبابه من ثقافة دينيّة متشدّدة وتمييزيّة، وأنّ وضع حدٍّ له يصطدم بجدار رسوخ هذه الثقافة إنْ لم يُتَدارك الأمر بإصلاحات مدنيّة جريئة تفرض أحكام القوانين الوضعيّة في مختلف وجوه الحياة الاجتماعيّة التي لها علاقة بالنساء وحقوقهنّ.

المعطيات التي تفيد بها المعاينة، وتعزّزها البيانات، صحيحة لجهة التأكيد على ضالَة حجم الحقوق التي تتمتّع بها النساء في البلاد العربيّة، قياسًا بما يتمتّع به الرجال، مع أنّ نسبتها تتفاوت – إيجابًا وسلبًا – من بلد لبلد على نحوٍ يمتنع معه الحديث عن أوضاعها بمفردات الجمع. غير أنّ الاعتقاد، الذي يتولّد من معاينة هذا الواقع – ويقوم على فرضيّة “فرادة” البلاد العربيّة في ذلك الحيف قياسًا بغيرها من بلاد العالم – اعتقاد خاطئ من غير شك. والخطأ فيه رديفُ الخطإ في وجاهة نسبةِ التحيّف ذاك إلى الدين والثقافة الدينيّة، كما يذهب إلى ذلك كثيرٌ ممّن يخوضون في تفسير الظاهرات الاجتماعيّة بالپاراديغمات الدينيّة والثقافيّة.

وإذ نسلّم، من جهتنا، بصحّة الشواهد والقرائن على معاناة النساء حيْفًا ملحوظًا في المعظم الأعمّ من مجتمعات العرب ودولها، فلا نجادل فيها، نخالف القائلين بحصْريّة ذلك الحيْف في البلاد العربيّة والإسلاميّة، بل وحتى في بلدان  الجنوب عامّة، ذاهبين إلى أنّه حيْف عامّ شامِلٌ بلدان العالم قاطبةً، بما فيها بلدان الغرب نفسها، وأنّ الاختلاف بين المجتمعات والدول في نِسَب ذلك الحيف إنّما هي اختلافات في الدرجة والكمّ، وأنّ المساواة في الحقوق بين الجنسين ما زالت، حتى إشعار آخر، مطلبٌ كونيّ عامّ وليس مطلبَ أمَّةٍ بعينها أو أتباع دينٍ بعينه.

من البيّن أنّ اعتراضنا على ذلك الاعتقاد، والطعن في وجاهة القول به، مَاْتَاهُ من أنّنا لا نستدخل عوامل الدين والقوميّة في تفسير أوضاع اجتماعيّة مثل أوضاع المرأة، وإنّما نأخذ في حسبان فهم مثل هذه الظاهرة مبدأً تفسيريًّا اجتماعيًّا (=سوسيولوجيًّا) أعمق بكثير من ذينك العامليْن (=الدينيّ والقوميّ)، بل وأقْدم منهما تاريخيًّا. ونحن إنّما نعني به عامل النزعة الذكوريّة في الاجتماع الإنسانيّ، وهي – كما تُطْلِعنا على ذلك دراسات عدّة – نزعة عريقة في التاريخ، تعود إلى آلاف السنين؛ منذ تَفَكَّك النظام الأميسيّ (الماتْرِيَرْكيّ) ونشأ في أعقابه النظام الأبويّ (=الپَطْرِيَرْكيّ)، غداة انقسام المشاعة البدائيّة وبداية نشوء ظاهرة تقسيم العمل، وتفرُّغ الرجل – حينها – للعمل (الاقتصاديّ). ولا تتغذّى النزعة هذه من أيّ تفوُّق جنسيّ (بيولوجيّ)، بقدر ما تتغذى من مجموع القيم التي يولّدها الاعتقاد بأنّ الذكور أهلٌ لإدارة الأسرة والشؤون الحياتيّة العامّة بما لا تستطيعه الإناث. وهو الاعتقاد الذي سرعان ما ينتقل من الذكور – الذين هم مصدره وهم الأحرص على إشاعته – إلى الإناث اللاّئي لا يلبثن، مع الزمن، وبأثرٍ من مفاعيله في أنفسهنّ، من استبطانه والإيمان به. هكذا غدتِ النزعة الذكوريّة، مع كرور الزمن، ثقافةً جمعيّة – واعية وغيرَ موعًى بها – لدى المجتمعات الإنسانيّة كافّة.

والمؤسف أنّه، وعلى الرغم من النجاحات الكبرى التي أحرزتها  البشريّة، في تاريخها، على صعيد تطوير شروط حياتها وتنمية وعيها ومداركها – بما في ذلك (بل قُل خاصّةً) وعيها للحقوق الإنسانيّة والاجتماعيّة -؛ وعلى الرغم من الطفرات الكبرى التي شهد عليها العمل بمقتضى مبادئ العدل والمساواة وتكافؤ الفرص – خاصَّةً في الأزمنة الحديثة والمعاصرة – إلاّ أنّ ذلك كلّه ما أفلح بعدُ في مَحْو القيم الذكوريّة من سيرة المجتمعات والدول (على تعدّد أديانها وقوميّاتها وثقافاتها)ـ ولا وَضَع حدًّا لمفعوليّتها في العلاقات بين الجنسين. ولسنا نتزيّد حين نقول إنّ الذكوريّة تكاد أن تكون، ولغاية هذا اليوم، المشترك الثقافـيّ والقيميّ الوحيد بين المجتمعات والأمم. من يشكّ في ذلك، ليَخْتر أيّ بلدٍ في العالم يعتقد أنّه الأكثر تطوُّرًا وتقدُّمًا، وليُقارِن بين ما تَحْتَازُه النساء فيه من فٌرصٍ وأنصبة وما يحتازُه الرجال فيه.