خلُصت جمعية عدالة (التي تعمل من أجل ضمان محاكمات قضائية عادلة) في دراسة لها حصلت “اندبندنت عربية” على نسخة منها، إلى أن نسبة العنف ضد المرأة قد زادت في المغرب خلال 12 شهراً الأخيرة بنسبة 54,4 في المئة.

تقول السيدة أم آية، الموظفة في القطاع الخاص “على الرغم من التقدم الكبير في المجال القانوني في ما يتعلّق بتحسين وضع النساء، إلا أن المرأة ما زالت تتعرض للعنف والتضييق، وهناك عنف اجتماعي وليست المرأة الضحية الوحيدة لذلك. إن وضع القوانين غير كاف، يجب تغيير العقليات وتربية الأطفال منذ صغرهم على مبادئ احترام الآخر والمساواة ونبذ العنف”.

 عنف المدن

وجاء في الدراسة أن أكثر من ثلثي النساء تعرضن لأكثر من نوع واحد من العنف الذي قسمته إلى خمسة أنواع، وإلى أن نسبة العنف في الوسط الحضري (55،8 في المئة) أعلى من نسبة العنف في الوسط القروي (51،6 في المئة)، وأن جهات الدار البيضاء وكلميم والرباط تعرف أكبر نسبة للعنف ضد المرأة، في حين تشهد جهات الشرق وتافيلالت ومراكش النسبة الأقل.

أنواع العنف

وقسمت الدراسة العنف إلى خمسة أنواع، عنف جسدي يتضمن الاعتداء بواسطة مادة خطيرة والضرب والجرح والاختطاف والاحتجاز، وعنف نفسي يتعلق بالسب والقذف والتهديد بواسطة مادة خطيرة والملاحقة بإصرار والتحكم في بعض الأمور الشخصية، وعنف جنسي من أعمال الاغتصاب واللمس والاحتكاك وكلمات بذيئة مع دلالات جنسية، إضافة إلى العنف الاقتصادي الذي يضم الطرد والتهديد بالطرد من العمل من دون سبب أو بسبب الحمل والتمييز في الأجر والحرمان من الإرث والامتناع عن دفع نفقة المطلقات والعنف  الإلكتروني الذي يشمل التحرش والتشهير والابتزاز وانتحال الشخصية.

 وخلُصت الدراسة إلى كون نسبة العنف النفسي هي الأعلى في المغربأ إذ بلغت 49،5 في المئة، في حين بلغت نسبة العنف الاقتصادي 16،7 في المئة ونسبة العنف الجسدي 15،9 في المئة والعنف الجنسي 14،3 في المئة.

قانون محاربة العنف ضد المرأة

اعتمد البرلمان عام 2018 مشروع قانون متعلق بمحاربة العنف ضد النساء، وقالت المحامية السعدية اضريس إن القانون تضمن “مجموعة من المقتضيات الزجرية التي رامت تغيير أو تتميم بعض نصوص القانون الجنائي، وأخرى أضافت إلى نصوصه فصولاً جديدة”.

ملاحظات حول القانون

لاحظت اضريس أن القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد المرأة، يتضمن مقتضيات إيجابية من قبيل تجريم الطرد من بيت الزوجية، وتجريم التحرش الجنسي المرتكب من قبل الزميل في العمل أو الشخص المكلف بحفظ النظام العام والأمن العمومي، لكن على الرغم من الإيجابيات التي تضمنها القانون إلا أن فيه بعض النقص و قالت “إن المؤسسات الوطنية ودعوات المجتمع المدني والتي كانت قد استنكرت حقيقة أن القانون يقتصر على عدد من التعديلات الجزئية والمتفرقة للقانون الجنائي، وإنه لا يلبي الحاجة إلى قانون شامل لمحاربة العنف ضد النساء”.

تجريم العنف

أضافت “القانون يتعلق بمحاربة العنف ضد المرأة بما يوحي أن كل مواده تستهدف تجريم وملاحقة العنف ضد المرأة، وفي الواقع أنه يهدف إلى حماية مجموعة من فئات المجتمع، ينبغي معه تسمية هذا القانون بقانون محاربة العنف ضد أفراد الاسرة، طالما أن الغالب على مواده هو حماية هذه المؤسسة مع بعض الاستثناءات”.

لكن بسيمة الحقاوي، وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة المغربية رأت أن هذا القانون جاء بحزمة من المقتضيات غير المسبوقة، منها أولاً منع تزويج الفتيات قسراً، على اعتبار أن ذلك عنف مبين. كنا نريد بهذا القانون أن نرسي كذلك مبادئ المساواة ومحاربة كل أشكال التمييز ضد المرأة، على اعتبار أن كل عنف يمارس ضد المرأة لكونها امرأة يكون موجباً لمضاعفة العقوبة، إن التحرش الجنسي كان عنصراً مهماً داخل هذا القانون، لأن كثيرين لا يعترفون بأن التحرش الجنسي عنف، ويتذرعون بأن الكلام الجميل والطيب والغزل للمرأة لا يضايقها، وبالتالي هذا التحرش هو عنف واضح المعالم، ولا بد من أن تكون هناك مقتضيات زجر ضد المتحرشين”.

لقد ناضلت مجموعة من الحركات النسائية والحقوقية وفعاليات المجتمع المدني بهدف إقرار قانون خاص بمحاربة ظاهرة العنف ضد المرأة، يتضمن آليات خاصة لتنزيله على أرض الواقع، إلا أن القانون الحالي جاء في صيغة تعديل لبعض فصول القانون الجنائي والمسطرة الجنائية، وليس قانوناً خاصاً بمحاربة العنف ضد المرأة.

إلغاء الفقرة الثانية من المادة 475

طالبت الحركة النسائية في المغرب خلال سنوات عدة بإلغاء الفقرة الثانية من المادة 475 للقانون الجنائي التي كانت تسمح بزواج المُغتصب للمغتَصَبة، وعدّلت الحكومة القانون الجنائي عام 2016، بينما لاحظت المنظمة الأورومتوسطية للحقوق أن “النص اكتفى بإدخال بعض التعديلات على القانون الجنائي القائم، بما في ذلك العقوبات البديلة والإنهاء الطوعي للحمل وتشديد العقوبات على المتهمين بالاعتداء الجنسي ضد القاصرين، وكان المجتمع المدني اعترض على النهج المتبع من قبل الحكومة الذي لم يحترم النهج التشاركي، تجزئة مشروع إصلاح القانون الجنائي بدلاً من استعراضه بشكل كامل”.

المساواة بين الجنسين

ووافق البرلمان المغربي عام 2017 على مشروع قانون لإنشاء “هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز” التي تعمل على “إبداء الرأي، بمبادرة منها أو بطلب من الملك أو بطلب من الحكومة أو أحد مجلسي البرلمان، بحسب الحالة، بشأن مشاريع ومقترحات القوانين ومشاريع النصوص التنظيمية، وتقديم كل اقتراح أو توصية إلى الحكومة أو إلى أحد مجلسي البرلمان، بهدف تعزيز قيم المساواة والمناصفة وعدم التمييز وتكريسها وإشاعتها، والتشجيع على مبادئ المساواة والمناصفة وعدم التمييز في مختلف نواحي الحياة العامة، والعمل على رصد كل إخلال بها، واقتراح جميع التدابير التي تراها مناسبة للسهر على احترامها”.

فيما رأت الحقاوي أن “المغرب منذ عام 2012 لديه سياسة عمومية مندمجة من أجل المساواة، ولأول مرة هناك خطة في إطار حكومي، اسمها “إكرام”، تتقاطع فيها جميع الأعمال لجميع القطاعات الحكومية، إذ لم يعد الشأن النسائي شأناً قطاعياً، بل أصبحت كل مكونات الحكومة معنية بالمساواة وتمكين المرأة من حقوقها، وهذا ما ساعدنا في النجاح في هذه الخطة الحكومية، ولذا أطلقنا عام 2017 خطة جديدة “إكرام 2″ التي تعمل على محاور أخرى اليوم، من ضمنها علاقة المرأة بأدوارها الأسرية وحقوقها المهنية والأسرية”.

القانون لا يكفي

لكن مليكة الهيلالي، الباحثة في القانون الخاص ترى أن الجانب القانوني لا يكفي وحده لإرساء مبدأ المساواة بل يجب العمل على تطبيق نصوصه، قائلة “الوضع يترجم الشرخ الشاسع بين التطور القانوني والتطور الاجتماعي الذي يستحيل معه تغيير المجتمع بموجب مراسيم قانونية، ذلك أن الترسانة القانونية التي تجري مطابقتها أكثر فأكثر مع المعايير الدولية، على أهميتها، تتطلب آليات للتطبيق تؤثر في جيوب المقاومة ضد التغيير عبر سياسات اجتماعية واقتصادية ملائمة”.

مرصد العنف

وأنشئ “المرصد الوطني للعنف ضد المرأة” عام 2014 بهدف توحيد طرق الرصد وتطوير المعرفة المشتركة في المجال، عبر رصد ظاهرة العنف ضد المرأة وتعميق المعرفة بها، إضافة إلى وضع بنك للمعطيات من خلال جمع المعطيات الجهوية والوطنية، وكذلك إصدار تقرير سنوي حول الظاهرة.

وخلُص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي في تقريره السنوي لعام 2017 إلى كون وضع المرأة ما زال يعاني من بعض الجوانب الناقصة وجاء في التقرير أنه “جرى الوقوف عند انتشار الفقر وضعف معدل النشاط في صفوف النساء، كما أن المؤشرات المتعلقة بالعنف ضد النساء وبتحسين ظروف عيشهن وبضمان استقلاليتهن الاقتصادية، ظلت في مستويات مقلقة على الرغم من التقدم المحرز على الصعيد المؤسساتي والاجتماعي، ويتجلى هذا الوضع بشكل خاص في المنحى التنازلي الذي بات يشهده معدل ولوج المرأة إلى سوق الشغل، وذلك على الرغم من تعميم تعليم الفتيات وتزايد نسبة دخولهن إلى التعليم العالي”.

اترك تعليقا

×